languageFrançais

طبرقة تعزف من جديد.. مهرجان الجاز يعيد الحياة إلى مدينة المرجان

هنا في طبرقة، لم تكن الموسيقى هذه المرّة مجرّد عرض على خشبة مسرح، بل كانت إعلانا بأن مدينة كاملة استعادت نبضها، البحر، الحصن الأثريّ، الموسيقى والنّاس. 

يرتفع الإيقاع وتتسارع معه خطى أهالي المدينة وضيوفها الذين اشتاقوا إلى موعد لم ينس وإن انقطع الوصل لسنوات. مدينة المرجان، تزيّنت لتستقبل النّسخة العشرين من مهرجان الجاز بطبرقة بعد انقطاع ستّ سنوات كاملة بسبب صعوبات التمويل والتنظيم، ليعود الحدث وتعلو الموسيقى في الشوارع والأزقّة ويحتفل الناس على مدى أسبوع انطلق مساء الخميس 2 جويلية 2026 ويتواصل إلى غاية 9 من الشهر ذاته.

وبدا واضحا منذ لحظات الافتتاح الأولى أنّ طبرقة لا تستعيد مهرجانا فحسب، بل تستعيد جزءا من هويتها الثقافية التي صنعت شهرتها لعقود. في الساحات المطلة على البحر، وفي الأزقة المؤدية إلى الحصن الأثري، امتزجت أصوات الزائرين بإيقاعات الجاز، بينما تحولت المدينة إلى مسرح مفتوح يعيد الحياة إلى واحد من أعرق المهرجانات الموسيقية في تونس والفضاء المتوسطي.

واختارت إدارة المهرجان أن تكون البداية خارج القاعات المغلقة، لم تنتظر الجماهير حلول الليل للدخول إلى مسرح البحر، بل كان الموعد أولا مع عروض Street Jazz التي أعادت الموسيقى إلى قلب المدينة التي استقبل جمهورها عازف الغيتار الجزائري العالمي جمال لعروسي، الذي افتتح سلسلة العروض المجانية في الفضاءات المفتوحة. 

وما إن اعتلى المنصة حتى بدأت رحلته الموسيقية التي تمزج بين الجاز والهوية المغاربية، مستحضرا الإيقاعات الجزائرية والإفريقية والنفحات الصوفية في تجربة موسيقية تجاوزت الحدود الجغرافية.

ويعدّ العروسي أحد أبرز وجوه الجاز المغاربي المعاصر، فقد كان أول موسيقي إفريقي يلتحق بجامعة الموسيقى بمدينة كولونيا الألمانية ويتخرج منها بامتياز في التأليف والتوزيع الجازي والعزف على الغيتار. كما اشتهر بأسلوبه الفريد في العزف بيده اليسرى على غيتار ذي أوتار معكوسة، وهو ما جعل حضوره على ركح طبرقة حدثاً استثنائياً لعشاق الموسيقى. ولم يكن التفاعل مقتصرا على جمهور الجاز المتخصص، بل جذبت الأنغام المارة والعائلات والسياح، في مشهد جسّد فلسفة المهرجان القائمة على إخراج الموسيقى من المسارح إلى الفضاء العام، لتصبح جزءا من الحياة اليومية للمدينة.


ولا تمثل الدورة العشرون مجرد استئناف لتظاهرة توقفت سنوات، بل تحمل رسالة واضحة مفادها أن الثقافة قادرة على استعادة مكانتها رغم كل الصعوبات. فبعد ست سنوات من الغياب، نجحت المدينة في إعادة بعث مهرجان ظلّ منذ تأسيسه سنة 1973 أحد أهم المواعيد الفنية في تونس، ونافذة انفتحت منها طبرقة على العالم، واستقبلت عبرها أبرز نجوم الجاز والموسيقى العالمية.


ولم تقتصر العودة على البرمجة الفنية، بل شملت أيضا إعادة الاعتبار للفضاءات التاريخية والسياحية. فقد تم تهيئة المسلك السياحي الرابط بين الواجهة البحرية وبرج طبرقة التاريخي، مع تعزيز الإضاءة لإبراز جمال الموقع، في خطوة تجعل من المهرجان تجربة ثقافية وسياحية متكاملة، لا مجرد سلسلة حفلات موسيقية، إذ تقترح الدورة الحالية برنامجا يجمع بين أسماء صنعت تاريخ المهرجان وأخرى تزور طبرقة للمرة الأولى فعلى ركح مسرح البحر سيكون الجمهور على موعد مع عازف البيانو الكوبي ألفريدو رودريغيز، والفنانة الأمريكية ليز ماكومب، واللبناني طارق يمني، ونجمة الجاز العالمية دي دي بريدجواتر، إلى جانب راؤول باز وفيرونيكا سويفت وأكوا نارو، فضلا عن المشروع الموسيقي "أصول" الذي يجمع ياسين بولعراس وسفيان السعيدي.


وفي المقابل، تواصل عروض "Street Jazz" بث الحياة في شوارع المدينة بمشاركة فنانين من تونس والجزائر والبرتغال وصربيا، لتتحول طبرقة طوال أيام المهرجان إلى فضاء موسيقي مفتوح لا تنقطع فيه الإيقاعات، فبعيدا عن لغة الأرقام والبرامج الرسمية، تكشف الوجوه في شوارع المدينة عن الحكاية الحقيقية لهذه العودة. أصحاب المقاهي يعوّلون على انتعاشة اقتصادية طال انتظارها، والفنادق استعادت جزءا من حركتها، والشباب عادوا يتجولون بين الساحات على وقع الموسيقى كما كانت الحال في سنوات المهرجان الذهبية.

ومع أولى نغمات الجاز التي ارتفعت فوق أمواج المتوسط، بدا المشهد وكأن طبرقة تقول لزوارها إن المهرجان لم يعد فقط. بل عاد إلى المكان الذي ينتمي إليه، بين البحر والجبال، حيث تصبح الموسيقى لغة مدينة بأكملها حتى يوم 9 جويلية 2026.

الواثق بالله شاكير